فخر الدين الرازي

20

المطالب العالية من العلم الإلهي

متحركة حركة واحدة دائمة متصلة من الأزل إلى الأبد من غير سكون أصلا . وأما الأجرام العنصرية فموادها باقية أزلا وأبدا ، وأما صورها فهي قابلة للسكون والفساد ، فكل صورة مسبوقة بصورة أخرى ، لا إلى أول . ثم قالوا : إن هذه الأجسام سواء كانت فلكية أو عنصرية ، فهي ممكنة الوجود لذواتها ، واجبة لأجل وجوب علتها ، فيلزم من دوام علتها دوامها . وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : هذا العالم قديم المادة ، محدث الصورة . فهذا البحث مبني على أن المادة الأولى ما هي ؟ فقال الجمهور الأعظم من أهل العلم : إن المادة الأولى هي الجسم [ فالجسم « 1 » ] ، ذات قابلة للصفات المختلفة . ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال : الأجسام متماثلة في تمام الماهية والحقيقة ، وإنما يخالف بعضها بعضا بسبب الصفات القائمة بها . ومنهم من قال : جسم النار مخالف بالماهية لجسم الأرض ، فحرارة النار عين ذاتها المخصوصة ، وبرودة الأرض عين ذاتها المخصوصة . أما الأولون وهم القائلون بأن الأجسام متساوية في تمام ماهياتها . فقد اختلفوا في هذه الصفات التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة . فمنهم من قال : إن هذه الصفات عبارة عن وقوع تلك الأجسام على أشكال مخصوصة . فالشكل الأرضي هو الذي يحيط به ست مربعات . وهو المكعب ، فإنه إذا كان واقعا على هذا الشكل ، امتنع كونه غائصا [ في غيره « 2 » ] وذلك هو الكثافة والأرضية . والشكل الناري هو الذي يحيط به أربع مثلثات متساويات ، ومتى كان كذلك ، نفذ في غيره برأسه ، وإذا نفذ في غيره ، لزم أن يفرق اتصال ذلك الغير ، وهذا هو الإحراق والتفريق . فكل جسم كان شكله هو المكعب ، لزم كونه كثيفا وهو الأرض . وكل جسم كان شكله هو [ هذا « 3 » ] الشكل المذكور ، لزم كونه نفاذا في غيره « 4 » ومفرقا لأجزاء ذلك الغير ، فيكون محرقا

--> ( 1 ) من ( ط ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ت ) ( 4 ) نفاذا غواصا في الغير ، مفرقا . . . الخ ( ت )